هندسة الروح وعِمارة الجسد: “بيا معوض” وبلاغة الفلسفة باللون

مقال لريتا شَهوان

The current image has no alternative text. The file name is: 36-scaled.jpg

بيا معوض فنانة “تكتب” أفكارها الفلسفية باللون والخط. لوحاتها ليست للعرض الجمالي فقط، بل هي دعوة للتأمل في ماهية الجسد وعلاقته بالفراغ والروح، مما يجعلها صوتاً فريداً يجمع بين رهافة الفن وعمق التفكير

في الفضاء الفني المعاصر، تبرز الفنانة بيا معوض (Pia Moawad) كصوت متفرد يعيد صياغة مفهوم “اللوحة” لتتحول من مجرد مادة بصرية إلى مختبر فلسفي وسيكولوجي متكامل. بيا ليست مجرد رسامة، بل هي باحثة في شؤون الكينونة، تستخدم الألوان المائية لتكتب مقالات في الوجود، وتطوع الخطوط الحبرية لتشريح النفس البشرية. إنها تمارس ما يمكن تسميته بـ “الفلسفة المتجسدة”، حيث يصبح اللحم والدم هما أبجدية الحقيقة

التعددية الاختصاصية

حين تلتقي الريشة بالفكر. ما يميز تجربة بيا معوض هو تداخل التخصصات؛ فهي لا تنظر للفن كفعل منفصل عن العلم أو الفلسفة. إن خلفيتها المعرفية تتيح لها استنطاق الجسد بعيداً عن كونه شكلاً جميلاً، ليكون أداة سيكولوجية لرصد المكبوت والمشاعر التي تعجز اللغة عن صياغتها، ومنطلقاً أنثروبولوجياً يبحث في صمود الإنسان أمام قوى الطبيعة والمجتمع، وتأملاً فلسفياً يطرح أسئلة حول “الهوية” و”الغيرية” و”العدم”

سيميائية الجسد: اللغة حين يصمت الوجه

 في لوحات بيا، الجسد هو المتحدث الرسمي الوحيد. تبرز الأجساد في وضعيات ليونة مجهدة أو تشنج تعبيري، محاكيةً وضعيات اليوغا تارة، والالتواءات الدفاعية تارة أخرى. يظهر العمود الفقري في أعمالها كـ “سارية” للروح؛ انحناؤه يمثل الثقل الوجودي، واستقامته تمثل المقاومة. كما تعمد بيا إلى إلغاء العينين والوجه، وهو فعل يحرر الشخصية من سجن الهوية الشخصية مثل العمر والاسم والعرق، ليمنحها هوية إنسانية عالمية. هنا تتبنى فلسفة “الذات الكلية”، حيث يصبح الجسد المرسوم هو جسد المشاهد نفسه، مرآة تعكس صراعاته الخاصة دون حواجز الوجه الغريب

فيزياء الألوان المائية: سيولة الوجود واللحم الحي

 اختيار بيا لتقنية الألوان المائية ليس عبثياً؛ فالمياه مادة لا يمكن تدجينها بالكامل، تماماً مثل المشاعر البشرية. تداخل درجات الأحمر والوردي والبنفسجي يحاكي تدفق الدماء تحت الجلد، فالألوان هنا ليست مجرد صبغة بل هي حشوية، تجعل الجسد يبدو نابضاً أو متألماً أو ساكناً في طمأنينة هشة. كما أن استخدام الشفافية يمنح الأجساد طابعاً روحانياً، وكأنها لا ترسم الجسد المادي بل أثر الروح داخله

فلسفة الفراغ: المواجهة مع العدم الأبيض

 تضع بيا أجسادها في خلفيات بيضاء مطلقة، مجردة من أي زمان أو مكان. هذا الفراغ يصبح عنصراً أساسياً يبرز العزلة الوجودية، حيث يظهر الجسد في مواجهة مصيره دون أي سند. كما يتحول هذا الصمت إلى مساحة تضخّم الإحساس، فتكتسب أدق الحركات أهمية قصوى داخل هذا الكون الأبيض الساكن

الهشاشة المقاومة: الجماليات السيكولوجية

 يستخلص فن بيا معوض مفهوم الضعف كمصدر قوة. أجسادها لا تخجل من هشاشتها أو عريها أو التوائها، بل تحتفي بالصدق الشعوري بعيداً عن التزييف، وتوحي بحالة تحول دائم، حيث تبدو الأجساد في حركة مستمرة تعكس تقلبات النفس البشرية

الفن كفعل كشف. إن تجربة بيا معوض هي رحلة غوص في أعماق النفس باستخدام الفلسفة كوسيلة فهم. إنها تذكر بأن الإنسان ليس مجرد وجه يُرى، بل جسد يحمل تاريخاً من الألم والفرح، وأن الحقيقة تكمن في التفاصيل الدقيقة؛ في ارتجاف العضلات، وفي صمت الفراغ، وفي الألوان التي تسيل لترسم ملامح الروح

.بيا معوض لا ترسم أجساداً للرؤية، بل ترسم كيانات للاختبار الوجودي